لفظ (كتب عليكم) في القرآن

لفظ (كتب عليكم) في القرآن

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى ۖ الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَىٰ بِالْأُنْثَىٰ ۚ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ۗ ذَٰلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ ۗ فَمَنِ اعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿178﴾ وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴿179﴾ البقرة

يخبرنا الله في هذه الآيات أن القصاص مباح لنا إن أردنا القصاص من القتلة

وفي حالة العفو من أهل القتيل وولي الدم فلا يجب القصاص

يحمل لفظ كتب هنا معنى إباحة القصاص لمن أراد القصاص, ويحق للناس أن لا يقتصوا من القتلة ويحق لهم أن يعفو أو يقبلوا الدية

لا يحمل لفظ كتب هنا معنى وجوب القصاص

من لم يقتص فلا إثم عليه ولا عذاب, بل قد يكون ذلك من الأعمال الجيدة التي يتقرب بها الإنسان إلى الله

.

كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ﴿180﴾ البقرة

يخبرنا الله في هذه الآيات أن كتابة الوصية للوالدين والأقارب مباحة لمن أراد

لا يحمل لفظ كتب هنا معنى وجوب كتابة الوصية للأقارب

من لم يكتب وصيته للأقارب والوالدين فلا إثم عليه, فالآية أباحت هذا الأمر

.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴿183﴾ البقرة

يخبرنا الله أنه قد أباح لنا عبادة الصيام وجعلها من القربات

عبادة الصيام كانت عبادة موجودة سابقة لدى كل الأمم

من لم يصم فلا إثم عليه, ومن صام لله فقد تقرب إليه بالعبادة وسار على درب المتقين

الصوم عبادة متاحة لمن أرادها وليست واجبة على كل أحد

.

كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴿216﴾ البقرة

أباح الله لهذه الأمة القتال في هذه الآية

من المعلوم أن القتال لا يقع إلا على الرجال القادرين على القتال والراغبين فيه

لا يجب القتال على النساء والأطفال والغير قادرين على القتال والعجزة

جاء لفظ كتب شاملا لكل المخاطبين, لكنه في الحقيقة يشمل فقط الرجال القادرين والراغبين بالقتال

لفظ كتب هنا حمل معنى إباحة القتال لمن أراد القتال وكان قادرا عليه

.

أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَىٰ إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا ۖ قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا ۖ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ﴿246﴾ البقرة

طلب بنو إسرائيل من نبيهم أن يأذن لهم بالقتال فقالوا: ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ

فخاطبهم نبيهم ورد عليهم: قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا, أي بمعنى: قد نأذن لكم بالقتال, لكن هل أنتم حقا مستعدون للقتال

رد بنو إسرائيل على نبيهم: وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا

يخبرنا الله أنه عندما أذن لهم بالقتال تولوا ولم يقاتلوا حق القتال فقال تعالى: فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ, أي فلما أذنا لهم بالقتال, لم يقاتل إلا القليل منهم

ورد لفظ كتب في هذا الموضع مرتين, وفي تلك المرتين حمل معنى إباحة القتال والإذن فيه

.

ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَىٰ طَائِفَةً مِنْكُمْ ۖ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ ۖ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ ۗ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ ۗ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ ۖ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا ۗ قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ ۖ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴿154﴾ آل عمران

يحدثنا الله عن طائفة من المؤمنين ليس لديها رغبة بالقتال, ويبحثون عن الأعذار حتى يتهربوا من القتال

يخبر الله هؤلاء الغير راغبين بالقتال: أن أعمار الناس مقدرة ومكتوبة, والقتال لا يقصر أعمار الناس إن كان الله قد كتب لهم طول العمر

ومن قدر الله عليه الموت في يوم معين, سيموت حتى لو كان في فراشه أو في ساحات القتال

قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ: أي من قدر عليه الموت أو القتل فسيموت أيا كان مكانه

حمل لفظ كتب معنى: قدر عليه, أو حان أجل موته

.

نتائج

في كل المواضع التي ورد فيها لفظ كتب وجدنا أن اللفظ يحمل معنى الإباحة وجواز فعل الشيء

لم يحمل فعل (كتب) أبدا معنى الفرض والواجب على كل شخص

لا يترتب على عدم (القصاص أو القتال أو كتابة الوصية أو الصيام) أي عقوبة من الله تعالى

وجدنا أن الله كتب القصاص علينا, لكن العفو والإحسان أفضل من القصاص

القتال في القرآن 6

لماذا يقاتل المؤمن ؟

إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (56) إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا (57) وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا (58) يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا (59) لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا (60) مَّلْعُونِينَ ۖ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا (61) سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (62)

سورة الأحزاب

يحتوي القرآن على منهج رشيد لتوجيه الحياة البشرية نحو الأفضل , ونحن هنا نحاول كشف هذا الجانب الإنساني العظيم في القرآن لنستفيد منه في توجيه حياتنا

.

إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا

هناك حملة شديدة على المجتمع المسلم تستهدف كل ماهو مقدس , و تتعمد الأذى النفسي و الجسدي لكل ما هو مؤمن.

يعد الله هؤلاء الذين يتعمدون أذى الله و رسوله بالعذاب الشديد

.

وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا

يتعرض المؤمنون و المؤمنات إلى أذى شديد , ونفسي و جسدي ظلما و عدوانا من قبل غيرهم

يخبر الله هؤلاء المعتدين , أن هذا الأذى الواقع على المؤمنين لن يمر بدون عقاب إلهي

.

يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا

نتيجة هذا الأذى الممنهج الواقع على المؤمنين و مجتمعهم و دينهم و ثقافتهم , وحفظا للمؤمنات و تخفيفا للأذى الواقع عليهم , أمر الله المؤمنات بلبس الحجاب , لعل ذلك يخفف من حدة الأذى الواقع عليهن

اضظرت المؤمنات للبس الحجاب في هذا الجو الحار , و التعرض للأذى النفسي و الجسدي , محاولة منهن للدفاع عن أنفسهن

.

لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا

سيبين الله لنا هنا مصدر الأذى الواقع على المجتمع المؤمن , وهم جماعة المنافقين و المرجفين

يهدد الله هؤلاء المنافقين , أنهم إن لم ينتهوا عن الأذى و إن لم يتوقفوا عن ذلك , فسيضطر المؤمنون لقتالهم

إن لم يتوقف هؤلاء عن الأذى فسيقاتلهم النبي و المؤمنون و يطردونهم من المدينة

الآيات توضح بشكل واضح لا لبس فيه , أن المؤمنين كانوا ضحايا للعنف الديني من قبل غيرهم , و أن القتال أو التهديد بالقتال ماهو إلا محاولة منهم لوقف الاعتداء على الجماعة المؤمنة

مَّلْعُونِينَ ۖ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا

هؤلاء المنافقون أناس سيئون , و يجب إيقافهم عن غيهم و ظلمهم , إن لم يكن بالحسنى فبالقوة

نتائج

يريد المؤمنون العيش بسلام مع الآخرين , و إن رفض الآخرون ترك المؤمنين يعيشون بسلام , فعلى المؤمنين التلويح باستخدام القتال أو مقاتلة هؤلاء المعتدين فعليا

القتال ليس هدفا للمؤمنين و لا يريدونه , لكنهم إن تعرضوا للخطر فعليهم حمل السلاح دفاعا عن أنفسه

الحرية الدينية هي هدف أصيل في القرآن للجميع , و على الجميع تقبل ذلك و احترامه , ومن كان غير قادر على تفهم موضوع الحرية الدينية بالحسنى , فيجب إقناعه بوسائل أخرى منها القتال أو التلويح بالقتال.

القتال في القرآن 5

لماذا يقاتل المؤمن ؟

اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ ۗ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا ﴿87﴾ فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا ۚ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ ۖ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا ﴿88﴾ وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً ۖ فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّىٰ يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ۖ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا ﴿89﴾ إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ ۚ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا ﴿90﴾ سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا ۚ فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ ۚ وَأُولَٰئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا

سورة النساء

نحاول هنا فهم كلام الله و الظروف التي نزلت فيها هذه الآيات , ومن معرفة سياق الآيات نستطيع فهم مراد الله و غاياته من هذه الآيات , و بالتالي نستطيع اسقاطها على حياتنا بشكل أفضل

.

فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا ۚ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ ۖ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا

تشير الآيات لوجود خلاف و إشكال مع المنافقين , وهؤلاء المنافقين هم فئتين , لم يوضح الله لنا ماهيتهما

مع وجود إشكال مع المنافقين , فإن المؤمنين يرغبون بتجنب خوض قتال معهم و يريدون هدايتهم و الخير لهم

.

وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً ۖ فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّىٰ يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ۖ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا

وصف الله هؤلاء المنافقين بأنهم كفار , و نصح المؤمنين أن لا يتخذوهم أولياء حتى يهاجروا , و قد كانت الهجرة إلى المدينة علامة على انتقال هؤلاء من صفوف الأعداء إلى صفوف المؤمنين

يريد المنافقون أن يضل المؤمنون و يعودوا لأديانهم , و يحاولون ذلك , وهذه الفتنة الحاصة بين المؤمنين و المنافقين سببها الرئيسي هي رغبة المنافقين بإجبار المؤمنين على ترك دينهم الجديد

إن رفض المنافقون ترك صفوف الأعداء و رفضوا الانتقال لصفوف المؤمنين , فعلى المؤمنين قتالهم

.

إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ ۚ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا

بعض المنافقون يريدون اجتناب القتال , ولا يريدون قتال أهلهم و لا يريدون قتال النبي و المؤمنين معه , فإن أثبتوا حسن نيتهم بتجنب القتال و الفتنة الحاصلة , فعلى المؤمنين تركهم و شأنهم

يحذر الله المؤمنين من عاقبة عدم ترك المنافقين الحياديين و شأنهم ,  و يخبرهم أن الله قادر على دفع هؤلاء المنافقين لقتال المؤمنين و ترجيح كفة المنافقين على المؤمنين

كل من اعتزل الفتنة و القتال الحاصل بين المؤمنين و المنافقين فهو بأمان و سلام ,بغض النظر عن  دينه و عقيدته

تظهر الآية بوضوح أن سبب القتال هو التعدي من قبل المنافقين على المؤمنين , وكل من اعتزل معسكر الأعداء و اعتزل الاعتداء على المؤمنين فهو بسلام , ولا يحق لأحد التدخل في اعتقادات الناس و أديانهم

.

سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا ۚ فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ ۚ وَأُولَٰئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا

بعض هؤلاء المنافقين يريدون أيضا اعتزال الفتنة و القتال الحاصل بين المؤمنين و المنافقين , لكنهم يعودون و يغوصون في الفتنة و يشاركون قومهم بقتال المؤمنين , فهؤلاء إن لم يكونوا جادين باعتزال القتال و الفتنة فعلى المؤمنين اتخاذ إجراء صارم بحقهم

نتائج

لم يرد في كل الآيات السابقة أي إشارة , أن على المؤمنين إجبار الناس على دين و عقيدة معينة , و أن عليهم قتال الناس حتى يفرضوا دينا معينا عليهم

كل الإشارات في الآيات السابقة تشير لوجود فتنة بين المؤمنين و المنافقين , و القرآن يريد إنهاء هذه الفتنة بشتى الوسائل , و كل شخص حر بدينه و عقيدته و تفكيره

المطلوب كل المطلوب , هو كف الأذى و الاعتداء و ترك الناس و شأنهم

القتال في هذه الايات هو قتال لوقف الأذى و التعدي الواقع على المؤمنين

كل شخص يبتعد عن هذه الفتنة و القتال فهو بأمان بغض النظر عن دينه و اعتقاده

القتال في القرآن 4

القتال في القرآن 4

لماذا يقاتل المؤمن ؟

كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴿216﴾ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ ۖ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ۖ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ ۚ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ ۗ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا ۚ وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ وَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ

سورة البقرة

نحاول في هذا الاستعراض محاولة فهم الآيات و الظروف  التي رافقت نزولها , وماهي الأجواء التي كانت سائدة وقت نزول الآيات

.

كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ

لا يرغب المؤمنون بقتال الكفار , و الله يخبرهم أن عليهم أن يقاتلوا , على الرغم من أنهم يكرهون القتال

قد يكون في القتال خيرا لهم مع كرههم له

من الواضح أن المؤمنين لا يرغبون بالقتال , لاعتقادهم أن القتال هو شر كبير و خطر عظيم  على الدين و المجتمع , و أن في القتال تقطيع لأواصر القربى و الرحم , وهم يرون أن تقطيع الأرحام شيء سيء جدا , ونحن نعلم وجود قرابات كثيرة بين المؤمنين و غير المؤمنين

.

يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ ۖ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ۖ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ

يسأل المؤمنون أو غير المؤمنين النبي عن القتال في الأشهر الحرام , و الله يخبر عن مساوئ القتال في الشهر الحرام فيقول

قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ۖ

القتال في الأشهر الحرم هو جرم عظيم و انتهاك لحرمات هذه الأشهر

.

وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ

والقتال في الشهر الحرام فيه صد عن سبيل الله

.

وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ

وفي القتال في الشهر الحرام كفر بالله و بحرمة المسجد الحرام و مكانته

.

 وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ

و يخبر الله أن إخراج الكفار للمؤمنين من بيوتهم و طردهم منها هو أعظم جرما من القتال في الشهر الحرام

 وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ ۗ

و الفتنة التي اختلقها الكفار و التي سببت القتال في مكة وماحولها بين المؤمنين و الكفار هي أعظم جرما من كل ما ذكر سابقا

الفتنة بين الناس أعظم من القتال و القتل , و الفتنة بين الناس لا تشمل الفتنة بين المؤمنين أنفسهم , بل الفتنة بين جميع الناس على شتى أديانهم , هي أعظم جرما عند الله من الكفر بالله و انتهاك كل الحرمات

.

 وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا

توضح الآية بكلام واضح , أن الكفار لن يتوقفوا عن قتال المؤمنين حتى يترك المؤمنون دينهم الجديد و يعودوا لأديانهم التي خرجوا منها

الإكراه الديني و إجبار الناس على اعتناق دين ما معين ليس من عمل المؤمنين و لا من ثقافتهم ولا من دينهم , بل هم ممن يناضل في سبيل حرية الاعتقاد , و الآخرون يريدون فرض دينهم و اعتقاداتهم على المؤمنين

المؤمنون في زمن النبي هم ضحايا العنف الديني و ليسوا صانعوه

.

وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ وَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ

قد يقع المؤمنون ضحية الضغط الواقع عليهم , و يتركون الدين الجديد

يخبر الله هؤلاء أن من يخضع للتهديد و يقبل أن يكون ضحية للعنف الديني , فعليه أن لا ينتظر جزاء حسنا يوم القيامة

ستحبط جميع الأعمال الصالحة التي فعلها هؤلاء المرتدون عن دينهم , ضحايا العنف الديني , و سيكونون قطعا من سكان النار

بعض المؤمنون يتركون الدين الجديد و يعودون لأديانهم القديمة تحت الضغط الواقع عليهم , لكن في قلوبهم ما زال الإيمان عميقا فيها , و لذلك ترك الله الباب مفتوحا لهؤلاء لإعلان عودتهم عندما تحين لهم الظروف و يزول الضغط عنهم فقال: وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ , والباب مفتوح دوما لإعلان العودة لغاية الموت

لم يوجب الله أي عقوبة على ضحايا العنف الديني ,  وعقوبتهم الوحيدة هي النار

.

نتائج

المؤمنون في زمن النبي كانوا ضحايا للعنف الديني من قبل غيرهم

فرض القتال على المؤمنين وهم كارهون للقتال و لا يريدونه , لكن الظروف العامة أجبرتهم على القتال

القتال شيء سيء و خطر جليل على المجتمعات و الله أخبرنا هذا بكل وضوح فقال جل جلاله

كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ
القتال شيء مكروه و الله يعلم هذا , لكن لله حكمة عظمى في وجود القتال في هذه اللحظات لإيقاف طغيان الآخرين على المؤمنين و وقف المذبحة التي ترتكب بحقهم

القتال في الشهر الحرام : ِ كَبِيرٌ ۖ

وفيه َصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ

وهو كفر بالله

وكفر بحرمة و عظمة َالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ

وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا

لن يتوقف الكفار عن قتال المؤمنين حتى يعيدوهم لأديانهم السابقة بالقوة , ولذلك فعلى المؤمنين الدفاع عن أنفسهم

القتال في هذه الآيات هو قتال دفاعي , وقد فرضته الظروف على المؤمنين , فعليهم إما أن يكونوا ضحايا للعنف الديني , وإما أن يدافعوا عن أنفسهم و حضورهم

اضطر المؤمنون للقتال دفاعا عن أنفسهم , ولولا تعرضهم للقمع الديني لما قاتلوا في كل حياتهم , ولو تركوا لوحدهم يمارسون دينهم و شعائرهم , لما رفعوا سلاحا في وجه أحد

القتال في القرآن 3

متى يجب على المؤمن القتال ؟ و ماهي أسباب القتال؟

كَيۡفَ يَكُونُ لِلۡمُشۡرِكِينَ عَهۡدٌ عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ رَسُولِهِۦٓ إِلَّا ٱلَّذِينَ عَٰهَدتُّمۡ عِندَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۖ فَمَا ٱسۡتَقَٰمُواْ لَكُمۡ فَٱسۡتَقِيمُواْ لَهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُتَّقِينَ (7) كَيۡفَ وَإِن يَظۡهَرُواْ عَلَيۡكُمۡ لَا يَرۡقُبُواْ فِيكُمۡ إِلّٗا وَلَا ذِمَّةٗۚ يُرۡضُونَكُم بِأَفۡوَٰهِهِمۡ وَتَأۡبَىٰ قُلُوبُهُمۡ وَأَكۡثَرُهُمۡ فَٰسِقُونَ (8) ٱشۡتَرَوۡاْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ ثَمَنٗا قَلِيلٗا فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِهِۦٓۚ إِنَّهُمۡ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ (9) لَا يَرۡقُبُونَ فِي مُؤۡمِنٍ إِلّٗا وَلَا ذِمَّةٗۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُعۡتَدُونَ (10) فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ فَإِخۡوَٰنُكُمۡ فِي ٱلدِّينِۗ وَنُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ (11) وَإِن نَّكَثُوٓاْ أَيۡمَٰنَهُم مِّنۢ بَعۡدِ عَهۡدِهِمۡ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمۡ فَقَٰتِلُوٓاْ أَئِمَّةَ ٱلۡكُفۡرِ إِنَّهُمۡ لَآ أَيۡمَٰنَ لَهُمۡ لَعَلَّهُمۡ يَنتَهُونَ (12) أَلَا تُقَٰتِلُونَ قَوۡمٗا نَّكَثُوٓاْ أَيۡمَٰنَهُمۡ وَهَمُّواْ بِإِخۡرَاجِ ٱلرَّسُولِ وَهُم بَدَءُوكُمۡ أَوَّلَ مَرَّةٍۚ أَتَخۡشَوۡنَهُمۡۚ فَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخۡشَوۡهُ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ (13) قَٰتِلُوهُمۡ يُعَذِّبۡهُمُ ٱللَّهُ بِأَيۡدِيكُمۡ وَيُخۡزِهِمۡ وَيَنصُرۡكُمۡ عَلَيۡهِمۡ وَيَشۡفِ صُدُورَ قَوۡمٖ مُّؤۡمِنِينَ (14) وَيُذۡهِبۡ غَيۡظَ قُلُوبِهِمۡۗ وَيَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (15)

سورة التوبة

.

تأملات في الآيات

نحاول في هذه التأملات فهم سياق الآيات و أسباب القتال الحاصل بين المؤمنين و غيرهم , وهذ أسباب القتال هي أسباب دينية ؟ أي نقاتلهم لأنهم كفار
أم أن أسباب القتال هي أسباب دفاعية و هي بسبب تعدي الكفار على المؤمنين ,  ولذلك وجب على المؤمنين الدفاع عن أنفسهم؟

.

كَيۡفَ يَكُونُ لِلۡمُشۡرِكِينَ عَهۡدٌ عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ رَسُولِهِ إِلَّا ٱلَّذِينَ عَٰهَدتُّمۡ عِندَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۖ فَمَا ٱسۡتَقَٰمُواْ لَكُمۡ فَٱسۡتَقِيمُواْ لَهُمۡۚ

يخبر الله و نبيه أن من عادة المشركين نقض العهود , وهناك قسم منهم قد عاهد النبي عند المسجد الحرام

حتى هؤلاء الذين عاهدهم النبي عند المسجد مشكوك في تمسكهم بالعهود المبرمة , و لذلك يأمر الله نبيه أن يتمسك بالعهد طالما أنهم متمسكون به

.

كَيۡفَ وَإِن يَظۡهَرُواْ عَلَيۡكُمۡ لَا يَرۡقُبُواْ فِيكُمۡ إِلّٗا وَلَا ذِمَّةٗۚ

يخبر الله نبيه أن هؤلاء المشركين لا عهد لهم ولا ذمة , و قد نقضوا عهودهم أكثر من مرة

وفي أكثر من مرة عندما كانت تحين لهم الفرصة فإنهم كانوا بلا عهد ولا ذمة و لا شرف يوقفهم عند عهودهم

.

لَا يَرۡقُبُونَ فِي مُؤۡمِنٍ إِلّٗا وَلَا ذِمَّةٗۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُعۡتَدُونَ

يؤكد الله هنا للمرة الثانية دناءة نفوس المشركين و خبثهم , و أنهم عندما ينقضون عهودهم , فلا يراعون أي مواثيق شرف أو احترام

يوضح الله بكلمات واضحة , أن هؤلاء المشركين هم الذين يعتدون على المؤمنين – و أولئك هم المعتدون

.

وَإِن نَّكَثُوٓاْ أَيۡمَٰنَهُم مِّنۢ بَعۡدِ عَهۡدِهِمۡ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمۡ فَقَٰتِلُوٓاْ أَئِمَّةَ ٱلۡكُفۡرِ إِنَّهُمۡ لَآ أَيۡمَٰنَ لَهُمۡ لَعَلَّهُمۡ يَنتَهُونَ

يأمر الله المؤمنين بقتال أئمة الكفر , و ليس عامة المشركين أو الكفار

يخبر الله المؤمنين أن عليهم الرد بقوة , في حال قام هؤلاء المشركين بالطعن بالدين و نقض المواثيق و العهود المبرمة .

يخبر الله المؤمنين أن عليهم الرد بقوة لعل هؤلاء المشركين ينتهون عن عدوانهم و طغيانهم و نقض عهودهم

.

أَلَا تُقَٰتِلُونَ قَوۡمٗا نَّكَثُوٓاْ أَيۡمَٰنَهُمۡ وَهَمُّواْ بِإِخۡرَاجِ ٱلرَّسُولِ وَهُم بَدَءُوكُمۡ أَوَّلَ مَرَّةٍۚ أَتَخۡشَوۡنَهُمۡۚ فَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخۡشَوۡهُ

من الواضح أن المؤمنين لا يريدون قتال هؤلاء المشركين , مع تعدي المشركين عليهم و نقضهم لعهودهم و مواثيقهم ( ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم

يعدد الله هنا الأفعال الشنيعة التي فعلها هؤلاء المشركون , وهي

نكثوا أيمانهم

هموا بإخراج الرسول من المدينة التي يعيش فيها

وهم بدؤوا المؤمنين بالعدوان و الظلم

.

قَٰتِلُوهُمۡ يُعَذِّبۡهُمُ ٱللَّهُ بِأَيۡدِيكُمۡ وَيُخۡزِهِمۡ وَيَنصُرۡكُمۡ عَلَيۡهِمۡ وَيَشۡفِ صُدُورَ قَوۡمٖ مُّؤۡمِنِينَ

يحرض الله المؤمنين و يشجعهم على قتال هؤلاء المعتدين

ومن طيبة قلوب المؤمنين فإنهم مع كل الظلم الواقع عليهم من قبل المشركين , فلا توجد لديهم أي رغبة لقتال هؤلاء

لقد ظلم هؤلاء المشركون المؤمنين ظلما كبيرا , أوقع في قلوبهم ألما كبيرا , و الله يأمر المؤمنين أن يقاتلوا هؤلاء المعتدين , لعل ألم هؤلاء المظلومين يخف قليلا

.

وَيُذۡهِبۡ غَيۡظَ قُلُوبِهِمۡۗ

يكرر الله هنا و يوضح الظلم العظيم الواقع على المؤمنين , و يأمرهم بالقتال لعل هؤلاء المعتدين يتوقفون عن تعديهم

.

من مجمل الآيات السابقة نستطيع تلمس أسباب الأمر بالقتال

نقض المواثيق و العهود

لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة ولا يتركون فرصة لطعن المؤمنين في ظهورهم إلا و يغتنموها

أولئك هم المعتدون , أي الذين يعتدون على المؤمنين

نكثوا و ينكثون أيمانهم و عقودهم في كل مرة

هموا بإخراج الرسول و الاعتداء عليه

ظلموا وتعدوا كثيرا , و الله أمر بقتالهم لعلهم يتوقفون عن عدوانهم و ظلمهم ( لعلهم ينتهون) ( و يشف صدور قوم مؤمنين) ( و يذهب غيظ قلوب المؤمنين المظلومين و المعتدى عليهم )

هم بدؤوا بالعدوان و الظلم ( وهم بدؤوكم أول مرة )

.

هل للإيمان و الكفر بالله علاقة بالقتال ؟ أو هو السبب الرئيسي للقتال ؟

لم يرد في الآيات السابقة أي إشارة لكون الكفر بالله هو سبب للقتال

السبب الرئيسي للقتال هو التعدي و الظلم من قبل المشركين على المؤمنين

وردت في الآيات إشارة تفهم بشكل خاطئ ,  وسنقوم بتوضيحها

فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ فَإِخۡوَٰنُكُمۡ فِي ٱلدِّينِۗ

وردت هذه الآية ضمن سياق الآيات السابقة , و إقامة الصلاة و إيتاء الزكاة هي مجرد علامة على كون هؤلاء المشركين مسالمين و لن يعودوا للعدوان

ثانيا: في خضم القتال و الحرب , لا يمكن اختبار كل شخص , من حيث إقام الصلاة و إيتاء الزكاة , فهذه الشعائر تحتاج إلى وقت و زمان , ولا يمكن فحصها ساعة الحرب

لم يرد في الآية السابقة أي إشارة لدخول هؤلاء في الإسلام , بل ورد لفظ التوبة

لفظ و فعل التوبة يطلب من المؤمنين المذنبين ولا يطلب من غير المؤمنين

غير المؤمنين يطلب منهم الإيمان و الدخول في الإسلام , فإن أسلموا و دخلوا في الدين , ووقعوا في الذنوب و المعاصي , يطلب منهم التوبة منها

في الآية إشارة واضحة لكون هؤلاء المشركين هم أناس مؤمنين , لكنه لديهم انحرافات دينية أدخلتهم في فئة المشركين , و هذه الطريقة من التفكير نجدها عند فئات كثيرة في وقتنا الحالي

حيث نجد بعض السلفية يصفون الصوفية بأنهم مشركين لأنهم يتقربون إلى الله بالصالحين و يزورون قبور الأولياء و غيرها , مع كون هؤلاء الصوفية مؤمنين مسلمين

وهذه الإشارة هنا في هذه الآيات لفئة المشركين , تشابه لحد كبير ما ذكرناه من مثال بين الصوفية و السلفية الحالية

.

 ٱشۡتَرَوۡاْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ ثَمَنٗا قَلِيلٗا فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِهِۦٓۚ إِنَّهُمۡ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ

هذه الآية تشير بشكل واضح لكون هؤلاء مؤمنين بالله و رسوله و يؤمنون بكتابه و آياته , لكنهم يشترون بآيات الله ثمنا قليلا

من المعلوم أن كفار قريش لا يؤمنون بالكتاب من أساسه ,  ولا يعترفون به ولا بمشروعيته , و الآيات تتحدث عن أناس يتاجرون بآيات الله , ومن يتاجر بآيات الله هم تجار الدين من رجال الدين الذين يقرون بعظمة كتاب الله و حرمته , لكنهم يستغلون كتاب الله لمآربهم الشخصية

.

وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمۡ فَقَٰتِلُوٓاْ أَئِمَّةَ ٱلۡكُفۡرِ

هنا إشارة أخرى لكون المقصودين من لفظ المشركين هم رجال الدين , فالآية أمرت بقتال أئمة الكفر , و ليس عامة الكفار

من كل ما سبق لا توجد في كل الآيات أي إشارة لكون سبب القتال هو كون هؤلاء كفار أو مشركين

السبب الرئيسي للقتال هو العدوان و الظلم , وهو واضح في كل الآيات

عندما يتعرض المؤمنون للعدوان و الظلم من قبل الآخرين فعليهم الدفاع عن أنفسهم بكل الوسائل

لا يقاتل المؤمنون غيرهم لأسباب دينية أو لفرض دينهم على الآخرين

القتال في القرآن 2

كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴿216﴾ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ ۖ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ۖ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ ۚ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ ۗ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا ۚ وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ وَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴿217﴾ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَٰئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ

سورة البقرة

تأملات في الآيات

من ملاحظة الآيات نجد ما يلي

كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ
صار من الواجب على المؤمنين أن يقاتلوا الكفار , مع كرههم لهذا القتال وعدم رغبتهم فيه , والله يخبر المؤمنين , بأن هذا القتال قد يكون فيه خير كثير لهم من حيث لا يعلمون

.

يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ ۖ
يتساءل المؤمنون متحرجين من القتال في الأشهر الحرم داخل مكة , هل يحل القتال في مكة وعند بيت الله ؟ و يجيبهم الله بهذه الإجابات

 قُلْ

.

قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ۖ
نعم إن القتال في الأشهر الحرام هو كبيرة من الكبائر

.

وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ
وفي هذا القتال صد عن سبيل الله

.

وَكُفْرٌ بِهِ
وفي هذا القتال كفر بالله

.

وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ
و في هذا القتال إساءة للمسجد الحرام

.

وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ ۚ
لكن المؤمنين مضطرون لهذا القتال و مجبرون عليه , فقد قام هؤلاء الكفار بالتعدي على المؤمنين في مكة , وقد أخرجوا أهلها من المؤمنين خارجها , وهذا العمل الذي فعله الكفار , هو أكبر و أعظم جرما من القتال في مكة و عند الحرم

.

وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ ۗ
و يذكر الله المؤمنين , بأن الفتنة التي افتعلها الكفار في مكة هي اكبر و أعظم عند الله , فتشريد الآمنين من بيوتهم جريمة كبيرة

.

وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا ۚ
ويشرح الله لنا سبب القتال , وهو رغبة الكفار في عودة المؤمنين عن إيمانهم بدعوة الإسلام  و الإيمان بالقرآن كتابا , و إجبارهم على العودة إلى الأديان التي خرجوا منها
ومن هنا نستنتج السبب الرئيسي لهذه الفتنة العمياء في مكة , وهي رغبة الكفار في عودة المؤمنين إلى دينهم الأساسي , وبالتالي, فمن يجبر الآخرين على الدخول في دين معين هم الكفار , وليس المؤمنون

.

وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ
يحذر الله المؤمنين من الانصياع للضغوط التي يمارسها هؤلاء الكفار عليهم , و اختلاق الفتن و المشاكل , وأن من يرتد عن دينه و يعد إلى دين آبائه , فستحبط كل أعماله في الدنيا و الآخرة
ومن الملاحظ هنا أن الآية لم تهدد المرتدين بأي عقاب دنيوي من قبل الجماعة المؤمنة التي يقودها النبي , بل اكتفت بالعقوبة من الله وحده فقط ولم يطلب الله من نبيه إقامة حد الردة على هؤلاء المرتدين

.

من التعليقات السابقة نستطيع استخلاص بعض النتائج

سبب القتال هو تعدي الكفار على المؤمنين , و إخراجهم من بيوتهم , ومحاولة إجبارهم على العودة إلى أديانهم التي خرجوا منها بالقوة

القتال الحاصل من قبل المؤمنين , هو ردة فعل على ما يفعله الكفار من تعدي على المؤمنين

سبب القتال من قبل المؤمنين هو سبب غير ديني , أي بمعنى آخر, لا يحاول المؤمنون فرض دينهم على الآخرين , بل هم ضحايا للعنف الديني من قبل الآخرين , ويحاولون فقط الدفاع عن أنفسهم , أما الآخرون فهم يحاولون إجبار المؤمنين على العودة إلى دينهم الأساسي بالقوة و القتال

القتال في القرآن 1

وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴿190﴾ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ ۚ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ ۚ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ ۖ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ ۗ كَذَٰلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ ﴿191﴾ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿192﴾ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ ۖ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ ﴿193﴾ الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ ۚ فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ﴿194﴾ وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ۛ وَأَحْسِنُوا ۛ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ

سورة البقرة

تأملات في الآيات

وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا
تأمر الآيات المؤمنين بقتال من يقاتلهم , و تأمرهم بعدم التعدي على الذين يقاتلونهم أو البدء بالقتال

وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ ۚ
تأمر الآيات المؤمنين بقتل الكافرين حيث وجدوهم في مكة , ومن الواضح أن القتال الحاصل هو في مكة ,كما هو مصرح به في الجزء التالي, و ليس في مكان آخر , وهذا يشير إلى أن مكان نزول هذه الآية هو مكة وليس مكانا آخر
وتشير الآية إلى أن الكفار قد أخرجوا المؤمنين من مكان ما , و الآية تأمر المؤمنين بإخراج الكفار كذلك من حيث أخرجوهم , وبرد المعاملة بمثلها
والآية تشير إلى أن أساس الخلاف هو التعدي و إخراج الكفار للمؤمنين , ولم يكن الخلاف دينيا بسبب عدم إيمان الكفار بالنبي محمد

وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ ۚ
تصرح الآية أن ما حدث هو فتنة , وهذه الفتنة بين المؤمنين و الكفار هي أشد من القتال الحاصل

وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ ۖ
تؤكد الآية أن القتال في مكة و داخل أحيائها , والآية هنا تنهى المؤمنين عن قتال الكفار عند البيت الحرام , ولم تنههم عن القتال في مكة , فقال تعالى: (عند المسجد الحرام ,  يقاتلوكم فيه ) وتؤكد الآية أن الخلاف الحاصل هو تعدي من الكفار على المؤمنين , ويأمر الله المؤمنين بعدم مقاتلة الكفار حتى يكون الكفار هم البادئون بالقتال عند المسجد الحرام

فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ ۗ كَذَٰلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ
يأمر الله المؤمنين أن يكون ردهم على تعدي الكفار حاسما , فإن بدأ الكفار القتال فعلى المؤمنين قتلهم و إنهاء شرهم

وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ ۖ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ
يوضح الله هنا سبب القتال , ألا وهو الفتنة التي افتعلها الكفار , ولفظ الدين هنا كما شرحها الطبري في تفسيره ( إن الدين عند الله الإسلام) تعني الطاعة , ولا تعني عقيدة ما معينة أو دين معين

الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ ۚ
التعدي في الأشهر الحرم على المؤمنين , عقابه رد التعدي من قبل المؤمنين , و التعدي على الحرمات يجب كذلك أن يقابل بالقصاص

فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ ۚ
يؤكد الله على المؤمنين , على أن التعدي من قبل الكفار لن يقابل إلا بالرد المناسب , وهو رد التعدي بكل قوة, و يأمر الله المؤمنين أن لا يتجاوزوا بالتعدي , و أن كل تعدي سيقابل بمثله , وليست الغاية التشفي , و إنما وقف التعدي

من كل ما سبق نستطيع أن نستخلص بعض النتائج

مكان القتال الحاصل بين المؤمنين و الكفار هو مكة

سبب القتال هو تعدي من قبل الكفار على المؤمنين , والاعتداء على حرماتهم , وانتهاك حرمة الشهر الحرم

القتال الحاصل هنا هو دفاع عن الجماعة المؤمنة فقط

لا يوجد في الآيات ما يشير إلى أن سبب القتال هو محاولة فرض المؤمنين الدين على الكفار , و إنما النص الوحيد الذي ورد: و يكون الدين لله , أي تكون الطاعة لله , وهو سبب من ضمن عدة أسباب , وهو يشير إلى وجود خلاف على المرجعية العليا في المدينة المقدسة

في سورة المائدة ,وهي آخر سورة نزلت على النبي و قبل وفاته بأشهر , أن القرآن سمح لغير المؤمنين في المدينة وجزيرة العرب , بل أمرهم بممارسة دياناتهم و عقائدهم , وشنع عليهم تصرفاتهم الاجتماعية الفاسدة , ولم يقترب من عقائدهم , بل أظهر لها شديد الاحترام وخاصة عقائد و كتب أهل الكتاب , ولو كانت المشكلة مع غير المؤمنين هي مشكلة إكراه على دين معين , لما أظهر هذا التسامح الكبير في  سورة المائدة

أمرت الآيات المؤمنين بعدم بدء أي قتال مع الكفار, بل أمرتهم فقط برد التعدي و محاولة رد التعدي بمثله , دون أي تجاوزات

كل النصوص تشير إلى أن الكفار هم من بدء التعدي , و أن المؤمنين كانوا يقومون فقط برد فعل تجاه التعديات