لفظ الكتاب ومعانيه في القرآن 2- كتاب مقدس لا نعلم عنه شيء

لفظ الكتاب في القرآن – معنى ( كتاب مقدس لا نعلم عنه شيئا )

ورد لفظ الكتاب في القرآن بعدة معاني , وسنحاول في هذه المقالات ضبط هذه المعاني

إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (45) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ (46) قَالَتْ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ۖ قَالَ كَذَٰلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۚ إِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ (47) وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ

سورة آل عمران

.

تتحدث الآية هنا عيسى بن مريم و أمه مريم العذراء

علم الله نبيه : التوراة و الإنجيل و الحكمة و الكتاب

لا يمكن أن يحمل لفظ الكتاب هنا معنى القرآن , لأن القرآن تنزل بعد عيسى بمئات السنين

ورد في الآية لفظ التوراة و الإنجيل , و بالتالي فلفظ الكتاب لا يمكن أن يحمل معنى التوراة و الإنجيل

لفظ الكتاب هنا يشير إلى كتاب ما مقدس , كان معروفا و متداولا زمن البعثة النبوية , و كانت العرب تعرفه في الجزيرة العربية , وكان مقدسا لدى كل الفئات , وهذا الكتاب لا نعلم عنه شيئا

.

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا ۖ وَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۚ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (116) مَثَلُ مَا يُنفِقُونَ فِي هَٰذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ ۚ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَٰكِنْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (117) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ۚ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ (118) هَا أَنتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ ۚ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ

سورة آل عمران

.

تتحدث الآيات هنا عن ( الذين كفروا ) , أي الكفار من قريش و غيرهم

تنهى الآيات المؤمنين عن محبة الكفار و اتخاذهم أولياء

تصف الآيات المؤمنين بأنم يؤمنون بالكتاب كله , بينما الكفار لا يؤمنون بالكتاب كله , بل يؤمنون ببعضه

من المعلوم أن كفار قريش و غيرهم لا يؤمنون بكلمة واحدة من القرآن , فبالتالي لا يمكن بحال من الأحوال أن يكون لفظ الكتاب هنا يحمل معنى القرآن

ولفظ الكتاب هنا متعلق بالكفار , وهم يؤمنون بهذا الكتاب , ببعض أجزائه و يهملون بعضها الآخر , لكن هذا الكتاب يعتبر كتابا مرجعيا و مقدسا لدى الكفار

هنا لفظ الكتاب أيضا يحمل معنى ( كتاب مقدس ما , لانعلم عنه شيئا ) كان موجودا في جزيرة العرب زمن البعثة النبوية , وكان المؤمنون و الكافرون يعتقدون بقدسيته على حد سواء

.

لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (164) أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَٰذَا ۖ قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ

سورة آل عمران

.

الحديث في هذه الآيات عن المؤمنين , وكيف بعث الله فيهم رسولا منهم

مهمة الرسول في المؤمنين هي التالي

يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ : أي يتلو عليهم القرآن

وَيُزَكِّيهِمْ : يزكي أنفسهم و يهذبها

وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ : لا يمكن أن يكون لفظ الكتاب هنا يحمل معنى القرآن , لأنه قد تم ذكره سابقا

وَالْحِكْمَةَ : و يعلمهم الحكمة و أصول التصرف في الأوقات الصعبة و وضع الأمور في نصابها

لو افترضنا أن الكتاب هنا يحمل معنى القرآن , لأصبحت الآية كالتالي

يَتْلُو عَلَيْهِمْ القرآن , وَيُزَكِّيهِمْ , وَيُعَلِّمُهُمُ القرآن , وَالْحِكْمَةَ

وهذا تكرار معيب  لا معنى له و بعيد كل البعد عن كلام العرب و أساليبها , ومن الممكن أن تصاغ الآية بهذا الأسلوب , لو كان المقصود بالكتاب القرآن

يَتْلُو عَلَيْهِمْ و يعلمهم القرآن , وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْحِكْمَةَ

لذلك فلفظ الكتاب ها يحمل ذات المعنى في الآيات السابقة , وهو أنه كتاب مقدس ما , لا نعلم عنه شيئا , كان موجودا في زمن البعثة النبوية , وكانت العرب كلها تقدسه , مؤمنها و كافرها

اكتفينا في هذا المقال ببعض الأمثلة للدلالة على هذا المعنى للفظ الكتاب , و يوجد في القرآن أمثلة كثيرة عن وجود هذا الكتاب الذي تؤمن به العرب كلها زمن البعثة النبوية , مؤمنها و كافرها

موقف القرآن من التوراة و الإنجيل 1

إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (45) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ (46) قَالَتْ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ۖ قَالَ كَذَٰلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۚ إِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ (47) وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ (48) وَرَسُولًا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ ۖ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ ۖ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ اللَّهِ ۖ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (49) وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ ۚ وَجِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (50) إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ ۗ هَٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ

سورة آل عمران

تفسير الطبري

وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ
وهي التوراة التي أنـزلت على موسى، كانت فيهم من عهد موسى

.

وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ ۚ وَجِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ
لأن عيسى صلوات الله عليه، كان مؤمنًا بالتوراة مقرًا بها، وأنها من عند الله. وكذلك الأنبياء كلهم، يصدّقون بكل ما كان قبلهم من كتب الله ورسله، وإن اختلف بعضُ شرائع أحكامهم، لمخالفة الله بينهم في ذلك. مع أنّ عيسى كان – فيما بلغنا – عاملا بالتوراة لم يخالف شيئًا من أحكامها، إلا ما خفَّف الله عن أهلها في الإنجيل، مما كان مشددًا عليهم فيها
انتهى تفسير الطبري

.

تأملات في الآيات

وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ
علم الله عيسى التوراة  التي كانت موجودة في بني إسرائيل , وهذا يشير إلى كون التوراة في زمن عيسى لم تكن محرفة و لا منسوخة, ولو كانت التوراة منسوخة أو محرفة فلماذا يعلم الله نبيه كتاب منسوخا أو محرفا

مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ ۚ وَجِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ
عيسى كان مصدقا للتوراة و عاملا بها , ومعترفا بأحكامها , ولفظ ما بين يدي من التوراة يشير للتوراة التي كانت منتشرة في زمنه
مهمة عيسى وكتابه الإنجيل هي تخفيف بعض الأحكام الواردة في التوراة , و تحليل بعض الأشياء المحرمة فيها , وليس نسخها

نستطيع الجزم من خلال هذه الآيات أن التوراة في زمن نبي الله عيسى لم تكن محرفة ولا منسوخة بسبب نزول الإنجيل