القتال في القرآن 2

كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴿216﴾ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ ۖ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ۖ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ ۚ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ ۗ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا ۚ وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ وَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴿217﴾ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَٰئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ

سورة البقرة

تأملات في الآيات

من ملاحظة الآيات نجد ما يلي

كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ
صار من الواجب على المؤمنين أن يقاتلوا الكفار , مع كرههم لهذا القتال وعدم رغبتهم فيه , والله يخبر المؤمنين , بأن هذا القتال قد يكون فيه خير كثير لهم من حيث لا يعلمون

.

يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ ۖ
يتساءل المؤمنون متحرجين من القتال في الأشهر الحرم داخل مكة , هل يحل القتال في مكة وعند بيت الله ؟ و يجيبهم الله بهذه الإجابات

 قُلْ

.

قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ۖ
نعم إن القتال في الأشهر الحرام هو كبيرة من الكبائر

.

وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ
وفي هذا القتال صد عن سبيل الله

.

وَكُفْرٌ بِهِ
وفي هذا القتال كفر بالله

.

وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ
و في هذا القتال إساءة للمسجد الحرام

.

وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ ۚ
لكن المؤمنين مضطرون لهذا القتال و مجبرون عليه , فقد قام هؤلاء الكفار بالتعدي على المؤمنين في مكة , وقد أخرجوا أهلها من المؤمنين خارجها , وهذا العمل الذي فعله الكفار , هو أكبر و أعظم جرما من القتال في مكة و عند الحرم

.

وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ ۗ
و يذكر الله المؤمنين , بأن الفتنة التي افتعلها الكفار في مكة هي اكبر و أعظم عند الله , فتشريد الآمنين من بيوتهم جريمة كبيرة

.

وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا ۚ
ويشرح الله لنا سبب القتال , وهو رغبة الكفار في عودة المؤمنين عن إيمانهم بدعوة الإسلام  و الإيمان بالقرآن كتابا , و إجبارهم على العودة إلى الأديان التي خرجوا منها
ومن هنا نستنتج السبب الرئيسي لهذه الفتنة العمياء في مكة , وهي رغبة الكفار في عودة المؤمنين إلى دينهم الأساسي , وبالتالي, فمن يجبر الآخرين على الدخول في دين معين هم الكفار , وليس المؤمنون

.

وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ
يحذر الله المؤمنين من الانصياع للضغوط التي يمارسها هؤلاء الكفار عليهم , و اختلاق الفتن و المشاكل , وأن من يرتد عن دينه و يعد إلى دين آبائه , فستحبط كل أعماله في الدنيا و الآخرة
ومن الملاحظ هنا أن الآية لم تهدد المرتدين بأي عقاب دنيوي من قبل الجماعة المؤمنة التي يقودها النبي , بل اكتفت بالعقوبة من الله وحده فقط ولم يطلب الله من نبيه إقامة حد الردة على هؤلاء المرتدين

.

من التعليقات السابقة نستطيع استخلاص بعض النتائج

سبب القتال هو تعدي الكفار على المؤمنين , و إخراجهم من بيوتهم , ومحاولة إجبارهم على العودة إلى أديانهم التي خرجوا منها بالقوة

القتال الحاصل من قبل المؤمنين , هو ردة فعل على ما يفعله الكفار من تعدي على المؤمنين

سبب القتال من قبل المؤمنين هو سبب غير ديني , أي بمعنى آخر, لا يحاول المؤمنون فرض دينهم على الآخرين , بل هم ضحايا للعنف الديني من قبل الآخرين , ويحاولون فقط الدفاع عن أنفسهم , أما الآخرون فهم يحاولون إجبار المؤمنين على العودة إلى دينهم الأساسي بالقوة و القتال

أحكام الردة عن الإسلام و الكفر بالله بعد الإيمان 2

فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ ۗ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا ۚ لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ ﴿81﴾ فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴿82﴾ فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَىٰ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا ۖ إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ ﴿83﴾ وَلَا تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِ ۖ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ ﴿84﴾ وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ ۚ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ ﴿85﴾ وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ ﴿86﴾ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ ﴿87﴾ لَٰكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ ۚ وَأُولَٰئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴿88﴾ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ

سورة التوبة

من المتفق عليه بين علماء القرآن أن سورة التوبة نزلت في غزوة تبوك ,في رجب من عام 9 هجري, أي قبل وفاة النبي بسنة ونصف تقريبا

و معرفة توقيت هذه السورة مهم جدا , لمعرفة أن النبي كان قادرا على تطبيق الأحكام الدينية , لأنه كان يقود دولة و لديه القدرة على تطبيق أي حكم

تأملات في الآيات

وَلَا تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِ ۖ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ

تذكر الآية هنا بعض الناس الذين كفروا بالله و رسوله , أي خرجوا من الدين كاملا بدون أي شك , ووصفت الآية هؤلاء أنهم مع كونهم كفار فقد ماتوا وهم فاسقون

عقوبة هؤلاء الكفار الذين ماتوا وهم كافرون وفاسقون , أن لا يصلي عليهم النبي ولا يقف على قبره و يدعو له

وهؤلاء مجموعة وليسوا افرادا قلائل , و أي شخص يموت من هذه المجموعة فعلى النبي أن لا يصلي عليه ولا يدعو له.

وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ ۚ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ

كان النبي يتأمل في هؤلاء خيرا في سبيل الدعوة إلى الإسلام , و يرى أموالهم و أولادهم و يتمنى أن تكون في سبيل الدعوة إلى الله , و الله يقول لنبيه هنا

يا محمد , هذه الأموال و الأولاد التي عندهم , هي سر تعاستهم و آلامهم في الدنيا و الآخرة

وهؤلاء الناس المترددون السيئون يمتلكون بيوتا غير هادئة ولا مستقرة , و تكون بيوتهم مصدر عذاب و شقاء لهم , والله يبين لنبيه هذا الأمر , وأن التردد الديني لدى هؤلاء هو مصدر عذابهم في الدنيا ,  وسيموت هؤلاء وهم كافرون بالله

و الآية تخاطب النبي و تحكي له عن أناس لديهم أموال و أولاد كثيرة , ولا تتكلم عن شخص واحد كان مسلما و كفر

وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ

مازالت الآيات تصف هؤلاء الذين كانوا مسلمين و كفروا بالله و نبيه , و تصف هذه الآية رد فعلهم عندما كانت تنزل آية تأمر بالجهاد مع رسول الله , ولا بد من التنويه أن هؤلاء كانوا مسلمين و قد كفروا بالله و رسوله , أي ارتدوا عن الإسلام

فهؤلاء كانوا يحضرون نزول القرآن عند النبي , فإذا جاء الأمر بالجهاد انسحبوا إلى بيوتهم و تركوا النبي وحده

و تصف الآية هنا حال القادرين على فعل شيء يفيد الدعوة إلى الله

لدينا من هذه الآيات إشارات كثيرة تفيد أن أعداد هؤلاء الكفار كثيرة , و أنهم ليسوا أشخاصا قليلين, و هنا نورد بعض الأمثلة

فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ ۗ

فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا

فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَىٰ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا ۖ إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ

وَلَا تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِ ۖ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ

وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ

اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ

وكل هذه الآيات تتكلم عن مجموعة كبيرة من الكفار المرتدين عن الإسلام , الذين كانوا يعيشون مع النبي في المدينة بسلام

كلام المفسرين عن أن المقصود من هذه الآيات هم شخص واحد هو كلام باطل و تحريف لكلام الله

في هذا الجزء من هذه الآية ( فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَىٰ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ ) دليل لا يقبل الشك أنهم كانوا مجموعة كبيرة , و الله يخبر نبيه فيقول : فإن رجعت إلى قسم من هؤلاء الكفار و طلبوا منك الخروج للقتال معك , فلا تأذن لهم

من التحليل السابق نستطيع استنتاج بعض الملاحظات

عقوبة الكفر بالله و الردة عن الإسلام هي الحرمان من  دعوات النبي للمرتدين , و أن النبي لن يصلي على هؤلاء صلاة الجنازة و لن يدعو لهم عند موتهم

تشير الآيات إلى أن هؤلاء المرتدين كانوا يعيشون بسلام في المدينة المنورة مع النبي , و كانوا يحضرون مجالس النبي و يستمعون له و يناقشونه و يرفضون أوامره علانية و يخذلونه

لا بد من التذكير بأن الآيات من سورة التوبة , التي نزلت قبل وفاة النبي بسنة و نصف , أي بعد أن كان للنبي دولة و جيش و شرطة قادرة على تطبيق أحكام الكفر بالله و الردة عن الإسلام

المجتمع في زمن النبي محمد في المدينة كان مجتمعا منفتحا و يحوي كل التيارات الدينية , وحتى الرافضين للإسلام و المرتدين عنه, وكان هؤلاء يتكلمون بكل صراحة بكل ما تحويه صدورهم

لم تطلب الآيات من النبي اتخاذ أي عقوبة دنيوية بحق هؤلاء , فالإكراه في الدين ليس من الإسلام , و تكميم الأفواه و إجبار الناس على فكر معين ولو كان الإسلام , هو شيء مرفوض في القرآن بكل وضوح

الأحاديث التي تتحدث عن إجبار الناس على دين معين أو على البقاء في الإسلام هي أحاديث باطلة و غير صحيحة, لأنها تخالف هذه الآيات بكل وضوح

من مثل

عن عكرمة، قال: أُتي على رضي الله عنه بزنادقة، فأحرقهم؛ فبلغ ذلك ابن عباس، فقال: لو كنت أنا لم أحرقهم؛ لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تعذبوا بعذاب الله)، ولقتلتهم.

 (من بدَّل دينه فاقتلوه)

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أُمِرْتُ أَن أُقاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَن لا إِلهَ إِلاَّ اللَّه وأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، ويُقِيمُوا الصَّلاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ، فَإِذا فَعَلوا ذلكَ، عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وأَمْوَالَهم إِلاَّ بحَقِّ الإِسلامِ، وحِسابُهُمْ عَلى اللَّهِ

أحكام الردة عن الإسلام و الكفر بالله بعد الإيمان 1

لا يمكن أن تكون العلاقة مع الله بالإكراه , وهذا المعنى يتم تأكيده بشكل دائم في القرآن,
هذا هو المقال الأول عن أحكام الردة عن الإسلام و الكفر بالله

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴿54﴾ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ﴿55﴾ وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ

سورة المائدة

نقوم بالتركيز على سورة المائدة في البحث و التفسير و استنتاج الأحكام الدينية , لأنها آخر سورة نزلت على رسول الله , و بمعنى أدق : قبل وفاة النبي بثلاثة أشهر
أي أن هذه السورة قد رسمت الملامح النهائية للمجتمع المسلم و قواعده و قوانينه قبل انتقال النبي إلى جوار ربه

تأملات في الآيات

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ

في هذا الجزء من الآية تهديد واضح للمؤمنين من أصحاب رسول الله , بأنهم ان تركوا الدين و عادوا إلى أديانهم السابقة , فإن لهم عقوبة قاسية من الله , و هذه العقوبة هي : أن الله سيستبدلهم و يأتي بأناس خير منهم

و يظهر أن هذه الجماعة هي مجموعة كبيرة , لأن الله توعدهم بأن يستبدلهم ب (قوم) و ليس بأفراد

و الخطاب منذ البداية كان: يا أيها الذين آمنوا , وهو يخاطب عموم المؤمنين , هذا يشير إلى وجود أعداد ليست قليلة من الذين يريدون ترك الإسلام

فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ

يعدد الله هنا صفات القوم الآخرين , الذين سيأتي الله بهم بديلا عن المؤمنين المرتدين

يحبون الله و الله يحبهم , و أذلة على المؤمنين و أعزة على الكافرين , و يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون أحدا إلا الله

إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ

يذكر الله هؤلاء المؤمنين الذين يفكرون بترك الإسلام بأمور أساسية : و هي أن ولاء المؤمن يجب أن يكون لله و لرسوله و للجماعة المؤمنة , وليس لفئات أخرى تتربص الشر بالمؤمنين

و المشكلة الرئيسية لدى هؤلاء , هي مشكلة الولاء لله و لرسوله و لقضية الدين الجديد , فلفظ الولاء للجماعة المؤمنة تكرر أكثر من مرة في وصف مشكلة هذه المجموعة

وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ

يكرر الله على مسامع هذه المجموعة , أن الولاء للجماعة المؤمنة هو الولاء الصحيح و المطلوب من المؤمنين جميعا , و أن الجماعة المؤمنة هي الجماعة التي ستفوز بالنهاية

ومن المؤكد حسب كل علماء القرآن , أن هذه الآيات نزلت بعد استقرار الأمور و إقامة الدولة الإسلامية التي يقودها النبي محمد عليه الصلاة و السلام , و كان النبي قادر على إيقاع أي عقوبة بحق من يريد ترك الإسلام , ومع كل ذلك , لم يأمر الله نبيه بعقوبة أي شخص , ومن أراد الدخول في الإسلام فله ذلك , ومن أراد الخروج فله ذلك

من التحليل السابق للآيات نستطيع استنتاج بعض الملاحظات

عقوبة الاستبدال هي العقوبة الوحيدة لحركة الردة عن الإسلام  ولا يوجد أي عقوبة دنيوية على تارك الإسلام

لم يأمر الله نبيه باتخاذ أي عقوبة بحق هؤلاء الذين يريدون ترك الإسلام و الردة عنه , مع قدرة النبي على فرض أي عقوبة , وإنما أخبرهم: أنهم إن ذهبوا فسيأتي من هو خير منهم

لا مجال للإكراه في الدين , سواء داخل الإسلام أو خارجه , وكل علاقة مع الله تفرض بالقوة فهي تعارض الإسلام

روى البخاري حديثا منسوبا للنبي : من بدَّل دينه فاقتلوه , ومن الواضح أن هذا الحديث يتعارض مع الآيات السابقة , وهو حديث باطل بلا شك و لا أصل له

وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ ۚ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا ۘ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ ۚ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا ۚ وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ۚ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ ۚ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا ۚ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ. المائدة (64)
وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ۖ ذَٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ ۖ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ ۚ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ ۚ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ (30) اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَٰهًا وَاحِدًا ۖ لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (31) التوبة
وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ. التوبة (90)
وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ ۚ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَىٰ ۖ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (107) لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا ۚ لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ ۚ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا ۚ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (108) . التوبة
وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ. الأنفال (30)
إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ ۖ وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ وَيَتَوَلَّوا وَّهُمْ فَرِحُونَ (50) قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ. التوبة (51)
اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ. التوبة (80)